الشنقيطي
409
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الخلو من مراعاة أبهة النبوة ، وجلالة مقدارها وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها . انتهى محل الغرض منه . وظاهر هذه الآية الكريمة أن الإنسان قد يحبط عمله وهو لا يشعر ، وقد قال القرطبي : إنه لا يحبط عمله بغير شعوره وظاهر الآية يرد عليه . وقد قال ابن كثير رحمه اللّه في تفسير هذه الآية ، ما نصه : وقوله عز وجل : أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 2 ) أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك فيغضب اللّه تعالى لغضبه ، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري ، كما جاء في الصحيح « إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان اللّه تعالى لا يلقى لها بالا يكتب له بها الجنة ، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط اللّه تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض » « 1 » ا ه محل الغرض منه بلفظه . ومعلوم أن حرمة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد وفاته كحرمته في أيام حياته ، وبه تعلم أن ما جرت به العادة اليوم من اجتماع الناس قرب قبره صلّى اللّه عليه وسلّم وهم في صخب ولغط . وأصواتهم مرتفعة ارتفاعا مزعجا كله لا يجوز ، ولا يليق ، وإقرارهم عليه من المنكر . وقد شدد عمر رضي اللّه عنه النكير على رجلين رفعا أصواتهما في مسجده صلّى اللّه عليه وسلم ، وقال : لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا « 2 » . مسألتان الأولى : اعلم أن عدم احترام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المشعر بالغض منه أو تنقيصه صلّى اللّه عليه وسلّم والاستخفاف به أو الاستهزاء به ردة عن الإسلام وكفر باللّه . وقد قال تعالى في الذين استهزءوا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم وسخروا منه في غزوة تبوك لما ضلت راحلته : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ ( 65 ) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ [ التوبة : 65 - 66 ] . المسألة الثانية وهي من أهم المسائل ، اعلم أنه يجب على كل إنسان أن يميز بين حقوق اللّه تعالى التي هي من خصائص ربوبيته ، التي لا يجوز صرفها لغيره ، وبين حقوق خلقه كحق النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ليضع كل شيء في موضعه ، على ضوء ما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا القرآن العظيم والسنة الصحيحة .
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة البخاري في الرقاق حديث 6478 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الصلاة حديث 470 .